مؤيد الدين الجندي
341
شرح فصوص الحكم
فهو لنا ، لكمال نسبتنا من حضرة الجمع المحمدي ، لكون الأفضلية للعلوّ المرتبي من حيث المكانة على العلوّ المكاني ، وهو - تعالى - معنا في هذا العلوّ ، لكون مرتبته في الوجود المطلق أعلى من مرتبة الوجود المقيّد ، ولمرتبته أيضا أحدية جمع المراتب كلَّها . ثمّ إنّه لمّا أثبت الله لنا علوّ المكانة في كتابه الكريم دون العلوّ المكاني ، كما أثبت لإدريس عليه السّلام خافت نفوس من لم يثبت له علوّ المكانة العلمية - من العمّال والعبّاد من العباد من هذه الأمّة ، لكون الأعمال جسمانية - أن لا يبقى لهم من علوّ المكان حظَّ إلهي ، فأعقب سبحانه وتعالى بقوله : * ( وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ ) * « 1 » ، أي لن يبخسكم وينقصكم من أعمالكم الجسمانية شيئا فإنّ أعمالكم ، لها أعلى الأمكنة ، لأنّ سدرة المنتهى - التي إليها تنتهي أعمال بني آدم - مترتّبة إلى العرش الذي له أعلى الأمكنة ، فجمع الله لنا - من الوارث المحمدي - بين العلوّين ، فنحن الأعلون ، والله معنا في هذه الأعلويّة . قال - رضي الله عنه - : « ثمّ قال تنزيها للاشتراك بالمعيّة : * ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ) * « 2 » عن هذا الاشتراك المعنوي » . يعني - رضي الله عنه - : أنّ الله - تعالى - لمّا وصفنا بأنّا الأعلون ، ثم أثبت لهويته - تعالى - المعيّة معنا بقوله : * ( وَهُوَ مَعَكُمْ ) * « 3 » ، فأوهم بالاشتراك في الأعلويّة ، فأتبع تعالى بقوله : * ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ) * « 4 » ، أي عن هذه الأعلويّة الثابتة لنا ، وعن الاشتراك ، فإنّ درجات الأكملية والأعلوية لا نهاية لها ، فإنّا وإن كنّا الأعلين ، لجمعنا بين علوّ المكان وعلوّ المكانة فإنّه جمع مقيّد بين علوّين مقيّدين ، والحقّ جمع الجمع بين علوّي جميع المكانات والأمكنة من كونه عين « 5 » الكلّ ، ومن وجه آخر أعلى وهو العلوّ الذاتي ، فإنّ العليّ لذاته مع ماله من أنواع العلوّ كما ذكرنا ، فعلوّه غير منحصر في العلوّ المكاني أو المرتبي أو الجمعي والذاتي ، فافهم .
--> « 1 » محمد ( 47 ) الآية 35 . « 2 » الأعلى ( 87 ) الآية 1 . « 3 » الحديد ( 57 ) الآية 4 . « 4 » الأعلى ( 87 ) الآية 1 . « 5 » ف : غير الكل .